زكريا القزويني
254
آثار البلاد واخبار العباد
مذهبه ، كان يصاحب المهدي ، فلمّا ولّي الخلافة انقطع عنه ، فقال له المهدي : إن لم تصاحبني فعظني ! قال : إن في القرآن سورة ، أوّلها : ويل للمطفّفين ! والتطفيف لا يكون إلّا شيئا نزرا فكيف من يأخذ أموالا كثيرة ؟ وحكي أن المنصور رآه في الطواف فضرب يده على عاتقه فقال : ما منعك أن تأتينا ؟ قال : قول اللّه تعالى : ولا تركنوا إلى الذين ظلموا فتمسكم النار ! فالتفت المنصور إلى أصحابه وقال : ألقينا الحبّ إلى العلماء فلقطوا إلّا ما كان من سفيان فإنّه أعيانا ! ثمّ قال له : سلني حاجتك يا أبا عبد اللّه ! فقال : وتقضيها يا أمير المؤمنين ؟ قال : نعم . قال : حاجتي أن لا ترسل إليّ حتى آتيك ، وأن لا تعطيني شيئا حتى أسألك . وخرج ليلة أراد العبور على دجلة فوجد شطّيها قد التصقا ، فقال : وعزّتك لا أعبر إلّا في زورق ! وكان في مرض موته يبكي كثيرا ، فقال له : أراك كثير الذنوب ! فرفع شيئا من الأرض وقال : ذنوبي أهون عليّ من هذا وإنّما أخاف سلب الإيمان قبل أن أموت . وقال حمّاد بن سلمة : لمّا حضر سفيان الوفاة كنت عنده ، قلت : يا أبا عبد اللّه ابشر فقد نجوت ممّا كنت تخاف ، وإنّك تقدم على ربّ غفور ! فقال : يا أبا سلمة ، أترى يغفر اللّه لمثلي ؟ قلت : إي والذي لا إله إلّا هو ! فكأنّما سرّي عنه . توفي سنة إحدى وستّين ومائة عن ستّ وستين سنة بالبصرة . وينسب إليها أبو أميّة شريح بن الحرث القاضي ، يضرب به المثل في العدل وتدقيق الأمور ، بقي في قضاء الكوفة خمسا وسبعين سنة ، استقضاه عمر وعليّ ، واستعفى من الحجّاج فأعفاه ، ذكر أن امرأة خاصمت زوجها عنده وكانت تبكي بكاء شديدا فقال له الشعبي : أصلح اللّه القاضي ! أما ترى شدّة بكائها ؟ فقال : أما علمت أن اخوة يوسف جاؤوا أباهم عشاء يبكون وهم ظلمة ؟ الحكم إنّما يكون بالبينة لا بالبكاء . وشهد رجل عنده شهادة فقال : ممّن الرجل ؟ قال : من بني فلان . قال :